الشيخ الطوسي
10
المبسوط
وإذا كان في المسلمين قلة وضعف وفي المشركين كثرة وقوة فالأولى أن يؤخر الجهاد ويتأنى حتى يحصل للمسلمين قوة فإذا اشتدت شوكة المسلمين وعلم شوكتهم [ وقوتهم ] لا يجوز أن يؤخر القتال ، وأقل ما عليه أن يغزوا في كل عام غزوة ، وكلما أكثروا الجهاد كان أكثر فضل لأنه من فرايض الكفايات فكلما كان أكثر كان أفضل ، وكان في بدو الاسلام أن يصاف واحد لعشرة ، ثم نسخ بوقوف الواحد لاثنين بدليل الآية ، وليس المراد بذلك أن يقف الواحد بإزاء العشرة أو اثنين وإنما يراد الجملة ، وإن جيش المسلمين إذا كان نصف جيش المشركين بلا زيادة وجب الثبات ، وإن كان أكثر من ذلك لم يلزم ، وجاز الانصراف ، ومعنى لزوم الثبات أنه لا يجوز الانصراف إلا في موضعين : أحدهما : أن ينحرف لقتال وتدبير بأن ينحرف عن مضيق إلى اتساع لتجول الخيل أو من معاطش إلى مياه أو كانت الشمس أو الريح في وجوههم فاستدبروها ، وما أشبه ذلك ، والثاني : أن يتحيزوا إلى فئة وجماع لقوله تعالى ( إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ) ( 1 ) ولا فرق بين أن تكون الفئة قريبة أو بعيدة قليلة أو كثيرة لعموم الآية فإن انصرف على غير هذين الوجهين كان فارا وفسق بذلك وارتكب كبيرة وباء بغضب من الله ، وإذا غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل وهلك فالأولى أن نقول : ليس له ذلك لقوله تعالى " إذا لقيتم فئة فاثبتوا " ( 2 ) وقيل : إنه يجوز له الانصراف لقوله تعالى " ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة " ( 3 ) وأما إذا كان المشركون أكثر من ضعف المسلمين فلا يلزم الثبات وهل يستحب ذلك أم لا ؟ فإن غلب على ظنه أنه لا يغلب فالمستحب أن يثبت ولا ينصرف لئلا يكسر المسلمين ، وإن غلب على ظنه أنه يغلب ويهلك فالأولى له الانصراف . وقيل : إنه يجب عليه الانصراف ، وكذلك القول فيمن قصده رجل فغلب على ظنه أنه إن ثبت له قتله فعليه الهرب .
--> ( 1 ) الأنفال 16 . ( 2 ) الأنفال 45 . ( 3 ) البقرة 195 .